الموقع الرسمى لمصطفى بشير

السلام عليكم ورحمة الله
انت غير مسجل فى المنتدى , نرجوا ان نحظى بمعرفتك وتسجيلك , حتى تحصل على اكبر قدر من المعلومات لدينا وننتظر منك كل جديد ومفيد لاعضاء المنتدى مع تحيات بشير...
الموقع الرسمى لمصطفى بشير

    الصورة الضوئية بين جزئية الحقيقة واختزال الواقع

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    ذكر عدد المساهمات : 129
    تاريخ التسجيل : 04/04/2010
    العمر : 25
    الموقع : مصر -الاسماعلية

    الصورة الضوئية بين جزئية الحقيقة واختزال الواقع

    مُساهمة من طرف Admin في الخميس مايو 20, 2010 10:43 pm

    لصورة الضوئية بين جزئية الحقيقة واختزال الواقع
    الكاتب بقلم : وليد حمدان - فلسطين المحتلة - الناصرة

    ما هي الحقيقة ؟... وما هو الواقع ؟... وكيف للحقيقة أن تتحول إلى حقيقة جزئية وليست كاملة ؟!...وهل لعملية إخراج الصورة الضوئية علاقة بتحويل الواقع إلى واقع نسبي مختزل ؟ .

    في هذه المقالة الضوئية التحليلية سيتم تسليط الضوء على عنصرين مهمين: الحقيقة والواقع في حياة الإنسان المصور، في إتباعه أساليب التوثيق متعددة المجالات كالتصوير الوثائقي - Documentary photography ) ( تصوير " توثيق " الحياة الاجتماعية - ) Social documentary photography ( - تصوير " توثيق " الحياة النفسية الاجتماعية ( Psycho-social life photography ) الخ....، وتأثيرها على قراراته في ميادين التصوير المختلفة ، المتعلقة بعملية صناعة الصورة الضوئية / عملية إخراج الصورة ، ومحاولته بلورة وجهة نظره وتفاعله مع الواقع والحقيقة بشكل مجرد محايد أو صناعة صورة ضوئية ذات أفكار مسبقة بين جزئية الحقيقة من جهة, وتغييب الواقع الكلي من جهة أخرى, واستبداله بواقع مختزل داخل كوادره الضوئية من شخصيات وأماكن، أحداث وحقب زمنية كاملة من شأنها أن تظهر لنا أجزاء من الحقيقة و نسبية واقعية كما تتراءى للمصور في لحظة ما ؛ مهمشة بذلك الأجزاء الأخرى للحقيقة و الواقع الكلي .

    لذلك يستحيل على المصور إظهار حقيقة مطلقة وواقع كلي داخل كادر واحد ، إنما هو يأخذ قصة ما لحدث ما من حقبة زمنية معينة, ويحاول أن يظهرها بشكل مسبق ومخرج, وأقصد بعملية الإخراج هي: اختياره لزاوية التصوير, ومبنى الكادر, والفكرة, وترتيب الشخصيات أو الأجسام المستهدفة داخل كادره ,حيث يمكن تغييب شخصية أوإظهار أخرى على حساب الكثير من القصص المتواجدة في اللحظة المصورة ذاتها. وهنا يكمن دور المصور في تغيير الواقع والحقيقة معاً في اتخاذ هذه القرارات التقنية والفنية المدعومة بأفكار مسبقة في ميدان التصوير والتي من شأنها أن تخلق واقعاً وحقيقة جديدين مختزلين داخل كادره الضوئي ,مخلداً لتلك اللحظات التي تعبر عنهما معاً .

    وفي محاولة لدعم نظريتي الضوئية القائمة على فكرة أن :" الصورة الضوئية بمركباتها الوثائقية تحتوي على حقيقة جزئية وليست كلية كما أنها تحتوي على واقع نسبي وليس واقع مطلق " ،سنستعرض مفهومي الحقيقة والواقع في محاولة للمقاربة بين ما يرمي إليه تعريف كل منهما وبين توجهي النظري الضوئي..
    الحقيقة والواقع:

    إذا كانت حقيقة الشيء هي خالصة وكنهه وحقيقة الأمر يقين شأنه أي انها الثابت يقيناً وكنهاً؛اذا مانت الحقيقة هي ذلك ,فيمكن لنا أن نرى أنك إذا رأيت جزئية الصورة فأنت ترى حقيقتها التي هي الآن متناهية لك يقيناً بأنها ثابتة وشاهدة على الرؤى التي تجسد الوجود وتختزنه,من حيث أنك الآن تراها وهي الآن حاضرة في اللحظة التي هي اختزال للأفكار بل وللزمن..فكل لحظة قادمة هي انبعاث لعوالم أخرى وأزمنة أخرى وحقائق أخرى.

    واذا كان الواقع هو الحاصل وأردنا أن نسأل عن تماهيه في الصورة؛فالصورة هي الحدث ؛أي أنها المدرك الذي تتناوله العين والنفس في لحظة ما مما يجعل لها ذلك الأثر الخاص الذي يؤكد أنها حصلت فعلاً لا في ذهن المصور فحسب بل في الزمن لأنها اختزنت زمناً غير متوهم ونقلته إلى غيره سواء أكان ذلك الغير بشراً أم أزمنة أخرى...

    بهذا كل صورة هي واقع وكل واقع هو تماهينا مع الخيال واستحضار للحقيقة لأن كل لحظة إنما هي وعينا لها..والأشياء متحركة بتحرك هذا الوعي ومتغيرة بتغيره بالتالي هي إن كانت تجسيداً للواقع فهي تجسيد لواقع متغير متحرك ونسبي لأن الإدراك كذلك وهنا أسأل ما الحد الفاصل بين الأشياء؟أهو وعينا؟وما الثابت اذا كان الإدراك كله متحرك نحو إدراك آخر؟وما الصورة إذا كانت جزءاً من هذا كله أليست تكثيفاً لحركة الواقع في لحظة خطفت من الزمن ورآها مصور؟

    سأتطرق بذلك إلى رؤية المصور في تحويله للحقيقة المطلقة إلى حقيقة جزئية وللواقع المطلق إلى واقع مختزل بصورة واحدة ،من خلال الخروج عن سياق الواقع بخلق واقع جديد داخل الكادر الضوئي بتركيبه بكافه الأفكار التي يحملها بتوجهه الفكري واختزالها بفكرة واحدة بما تشمله من مكوناتها التكنيكية والفنية ؛ لعكس الوضع العام الذي تعبر عنه كما ينطبع في فكر المصور ،فانعكاس رؤية المصور للحظة التي يصور فيها هي جزء من الحقيقة، وبتوظيفه للفكرة التي يحملها بتوجهه عند قيامه بعملية التصوير، هو ما ينتج حقيقة جزئية لأنه يرى في الصورة التي تخدم فكرته حقيقة كاملة ، في حين أنها قد لا تكون الصورة الفعلية المتواجدة في الواقع.
    التصوير الوثائقي:

    يقوم هذا النوع من التصوير على فكرة التوثيق لموضوع أو حدث معين, ويندرج تحته الكثير من الأساليب كتوثيق الحياة الاجتماعية والنفسية, وتوثيق الحياة في الشارع, وتوثيق الحروب,الخ,,, وهو يختلف غيره من الأساليب الضوئية كونه قائم على فكرة التعامل بشكل مباشر مع الحقيقة والواقع ويضيف بعدا جماليا وإنسانيا مميزا للعمل الضوئي, ويحوي في مكوناته وأبعاده لمسة فنية شاملة لعملية إخراج الصورة, وكيفية نظرة المصور للأمور يعطي عمله بعدا وتوجها فكريا, بعكسه للحالة التي يصور فيها المصور, ويكون لديه القدرة على عكس الواقع بأبعاد شمولية أكثر ،مما يجعله حلقة وصل بين الواقع كواقع وبين الإنسان المشاهد لهذا الواقع من خلال الصورة الضوئية المنتجة, وبالتالي هو يسهل نقل الفكرة الواعية للصورة الحدث التي يختزنها .
    الصورة الضوئية بين جزئية الحقيقة واختزال الواقع.:

    حتى نتمكن من فهم الآلية التي تتم بها تجزئة الحقيقة واختزال الواقع, فلا بد لنا من إعطاء فكرة واضحة عن الشخصية المحورية التي تعد جزءًا هاماً جدًا في تلك التركيبة الضوئية وهي" المصور", فهو صانع الصورة بجميع تفاصيلها ومركباتها الضوئية, كما الرسام الذي يرسم بريشته الضوئية الأفكار التي يؤمن بها أو التي يسعى لإيصالها للغير والأحاسيس التي يعمل على نقلها من إطارها الداخلي المتربع في مكنونات النفس إلى صورة يجسد بها تلك المشاعر ويجعلها ملموسة ومتحسسة, فالمصور هو خليط الضوء والإحساس المرهف الذي يجسد لوحاته بريشته الضوئية( آلة التصوير) فهي الوسيط الذي يربط المصور بما يحمله من أحاسيس وأفكار مع واقعه.

    وإذا ما أردنا تقييم المصور الجيد, فهو مستبصر جيد يرى نواحٍ وأموراً لا يستطيع الإنسان العادي رؤيتها بعينه المجردة, فهو يرى ببصيرته لا بعينيه, فالزاوية التي يرى من خلالها الأمور مختلفة, وبالتالي فإن طريقة تفكيره ستختلف, فهو حتمًا خلاق للضوء ،الإحساس والفكر, ومتقن للغة الضوء من خلال استخدامه أدواته على نحوٍ سريع وخاطف؛ ليتمكن من التقاط اللحظات فيسترقها من واقعها إلى واقعه الضوئي, بحيث أن نقطة انطلاقه تكمن في كيفية رؤيته للوجود من حوله, وبالاستناد إلى أساليب التصوير الوثائقي فإن المصور العامل في هذا المجال من التصوير يعتمد على ثقافة النظر خاصته من خلال توظيفها لاستبصار ورؤية الأشياء داخل ميدان التصوير (مكان \ حدث \ الثقافة), ليتمكن من الوصول لأقرب نقطة للحقيقة, فبامتلاكه لوجهة نظر وتوجه فكري, هو يعمل فعليًا على دعمها من خلال وضع لمساته الخاصة التي تعطي عمله الضوئي خصوصية تميزه عن غيره من الأعمال ومن العاملين في هذا الميدان, وبرغم محاولته النظر بشكل محايد للعمل إلا أنه لا يستطيع الوصول للواقع بشكل كلي متكامل وبحت, فهو لا يلمس الواقع إنما يلمس أقرب نقطة مدركة تؤدي إليه ،وهذا ما يجعل الواقع مختزلاً في عمله الضوئي.

    وبالحديث عن البعد الاجتماعي الثقافي للمصور الوثائقي فإن" الإنسان المصور في تركيبته الإنسانية يتفاعل مع مكونات البنية الثقافية للمكان وللبيئة المحيطة بالجسم المستهدف, الأمر الذي يشكل تناغمًا في الأسس التي ترتكز عليها القاعدة الذهبية الضوئية, والتي تعكس نفسها في خصائص الثقافة التي يتم تجسيدها في العمل الضوئي, مما يعطي البعد الاجتماعي الثقافي الديناميكية التي تسمح بإعطاء المصور المساحة الكافية للتعامل بمرونة مع الثقافات الأخرى في صناعته للصورة الضوئية في ميادين التصوير المختلفة, ويمحور النهج السلوكي للمصور باعتماده على قيمه الثقافية, واستناده إلى أساليبه الضوئيةSad التوثيق- تصوير الحياة في الشارع- البور تريه" ( وليد حمدان, من خلف العدسة خفايا ضوئية.2009)

    سنستعرض بعض العينات الضوئية الحية لأحداث وأساليب تعكس حقائق ووقائع ، وكيفية مساهمة عملية صناعة الصورة الضوئية ،في نقل الفكرة الواعية والشمولية لصورة الحدث التي يختزنها ،مسلطين الضوء على الجوانب الضوئية من عملية إخراج الصورة وكيفية تأثير وتأثر قرارات المصور بداخل الحدث" ميدان التصوير " من ردة فعل أو سلوك ما وانعكاسها ببلورة مفهوم جديد لأرض الواقع " عملية إدراكه للحدث " من وجهة نظره،ومعاودته لقراءة الواقع والحقيقة بكافة عناصرهما بمفهوم جديد ،وهو ما ينتج حقيقة جزئية لأنه يرى في الصورة التي تخدم فكرته حقيقة كاملة ،في حين أنها قد لا تكون الصورة الفعلية المتواجدة في الواقع, فالمصور يعرض ما يؤمن به من خلال عرضه للواقع من منظوره الخاص, وبذلك هو عمليا يجزئ الحقيقة ويختزل الواقع لعكس توجهاته وآرائه وليس ما يريده المشاهد.

    وعند التقاط المصور لمشهد معين, فهو لا يعكس كل المشهد الملتقط في صورته الضوئية بكل أبعاهدة وجزيئاته المتعددة , إنما يقوم على عرض ترابطية بين أجزاء محددة في الصورة في سعيه لإيصال ولعكس فكرة معينة في إطار منظومته الفكرية, فكرة يؤمن ويراها هو وليست الحقيقة بصورتها الكلية.

    كما أن المصور لدى التقاطه لصورة يسعى من خلالها لعكس فكرة معينة هو عملياً لا يخضع لقاعدة معينة لما يصور, وهذا ما قد يجعله يقع في إشكالية تناقض؛ بين ما يعكسه في صورته الملتقطة والتي قد تشكل مستنداً ووثيقة تجسد ذلك الحدث بعين المصور/ وجهة نظر المصور حيث من الممكن أن يتم الاستناد إليها في المستقبل كوثيقة رسمية ؛والتي من شأنها أن تعكس الحدث المصور " الموثق " و تبيين الواقع الكلي والحقيقة الكاملة أو تخلق صورة ضبابية غير واضحة قد لا تفي بغرض استخدامها المستقبلي والنواحي المبنية عليه .

    والمصور لدى توجهه لالتقاط صورة فإنه عملياً يسعى لإشباع غريزة المشاهد ونهمه للاطلاع على تفاصيل موضوع معين بحسب الوضع السائد أو القائم, فإذا كان الوضع السائد يعبر بكل أبعاده عن الحرب أو الدمار على سبيل المثال, فليس من الطبيعي أن تعكس صورته الضوئية مشهدًا جميلاً في خضم ذاك الإطار العام, لذا فإن العمل على إشباع غريزة المشاهد يكون من خلال جزيئات تعرض في الصورة الضوئية والتي تكون غالباً متجانسة ومنسجمة مع الإطار العام الذي يلف العمل الضوئي ,وهنا الاختزال, هنا تجزئة الحقيقة ضمن اطار يعتمد اللمح لا التصريح ,لتصبح الصورة أشبه بالشعر من هذا الجانب يكفيه ذلك الومض ليشعل النفس طرباً؛كأنه يومي الى الأشياء ويتركك تقرأ النص كما يحلو لك ..هنا تصبح الصورة عالمها الخاص وحقيقتها الخاصة التي لا تبعد عن الحقائق العامة الا كما لو أننا نراها من وراء ستار..ظل لما هو بالتأكيد هناك!


    كيف ذلك؟ فلنفهم من خلال عرض هذه النماذج:

    106205كلنا نذكر الحرب الدامية الأخيرة على قطاع غزة ،وكيف لعبت الصورة دورًا رئيسيًا في تجنيد الرأي العام العالمي وكشف حجم المعاناة الإنسانية وحجم الدمار الشامل ، الحقيقة والواقع الأليم الذي ألم بسكان القطاع ، إثر عملية الرصاص المصبوب التي شنتها جيوش الاحتلال الصهيونية على غزة .

    وبالنظر لكافة العناصر لهذا الأسلوب التصويري " توثيق أحداث الحروب " "documenting the wars Photography " والمكونات الضوئية لهذه الصورة مستوضحين الجانب الصناعي " عملية إخراج الصورة " لهذا الكادر ، فيعتمد هذا الكادر في الأساس على الفكرة المسبقة والمتحيزة لإبراز الضحية ، وتقسيم مبنى الكادر من حيث بساطة تكوينه وسهولة استيعابه بشكله الدقيق ،وزاويته التصويرية المنخفضة ،ووضعية الشخصية في مقدمة الكادر والبيوت المدمرة في مؤخرتها التي تسيطر على الجزء الأكبر للكادر " أكثر من ثلثي الكادر " فالمبنى بتركيبته يبدأ من الفتاة لإظهار " أهمية الإنسان" وينتقل بنا إلى عمقه مجسداً لنا المكان الذي يعكس "حجم الدمار والمعاناة " ،فالفكرة برمزيتها هدفها بشكل مسبق هو تسليط المصور " الموثق " الضوء على حجم المعاناة الإنسانية والدمار الشامل الذي أحدثته الحرب ،وتجسيده شخصية الفتاة لدور الضحية والبيوت المهدمة جسدت حجم المعاناة والأضرار الناجمة بالصورة الشمولية لحقيقة الواقع ؛ففي هذا الكادر نرى عملية اختزال المصور للواقع بداخل صورة واحدة ،وتجزئته للحقيقة واضح جدًا فهو قد نقل صورة جزئية ونسبية " قصة الفتاة التي تبحث عن بيت يأويها بعدما دمر بيتها وشرد أفراد آسرتها نتيجة الحرب ؛ هذه القصة نسبية وهي نتاج الحرب الجزئي " واقعية وحقيقية من الحقيقة الكاملة والواقع الكلي " مجموعة من آلاف قصص المعاناة الإنسانية نتيجة الحرب التي هي حقيقة مطلقة وواقع كلي؛ الحرب القتل والدمار المقاومة والاحتلال " .

    106201

    هذه الصورة التقطها المصور ألأمريكي كيفن كارتر عام 1994 في السودان أثناء المجاعة...

    لهذه الصورة أثر كبير في تجسيد وعكس الكارثة الإنسانية التي ألمت بالسودان،فهي من أكثر الصور في العالم التي ساهمت في ترسيخ حجم هذه الكارثة ،في العقد التاسع من القرن الماضي ،وينحصر هذا الكادر تحت فئة التوثيق الاجتماعي\النفسي \ الثقافي \ الإنساني\ والكوارث. لقد حاول المصور الأمريكي كيفن كارتر عام 1994 توثيق هذا المشهد من وجهة نظر إنسانية لدى تفاعله مع كافة مكونات الواقع والأزمة الإنسانية؛ يعتمد هذا الكادر الضوئي على قدرة المصور العالية في تجريد المشهد عن مشاعره الشخصية والإنسانية الطبيعية ،فنجد أن الكادر بسيط التكوين ذو مبنى خماسي التقسيم بشكل هندسي متقاطع عالي الدقة ، ومن زاوية تصويرية مائلة إلى العمق البؤروي للكادر من الأسفل إلى الأعلى لتساعد في توجيه عين المشاهد وحصرها بين " الطفل والنسر " لتدعم التكوين المبنى الذي ارتكز على الجهة أطراف كل من الجهة اليمنى واليسرى للكادر بقدر شبه متساوي ، ومن ناحية أخرى هنالك عنصران كفيلان بتجسيد الفكرة بشكل واضح المتمثلة بتناقضاتها " انتظار الموت و موت انتظار " ، الأرض الجرداء التي ترمز إلى شح موارد الحياة الأساسية الماء والطعام وصراع البقاء بين هذا الطفل الذي لا يتعدى الثالثة من عمره برمزية لدور ضحية " نتاج للكارثة الجماعية الحقيقة المطلقة والواقع الكلي " المجاعة وانتظار هذا النسر الذي يتبع الفريسة من مكان إلى أخر حتى تلفظ أنفاسها الأخيرة وتكون وجبة ليست دسمة تماماً له ، فعملية إخراج الصورة بكافة مكوناتها الضوئية ساهمت في ترويج فكرة عن حجم المعاناة الإنسانية في فقدان الإنسان كضحية لكارثة المجاعة و تماهي المكان وهي نسبية واقعية كجزء من الكثير من قصص المعاناة التي تعصف بهذه المنطقة على الصعيدين الإنساني الإنساني \ والإنساني الاجتماعي ، ومن هنا نرى أن العملية الإخراجية المسبقة ساهمت في اختزال الواقع كونها اختيارية ونقل فكرة شمولية نسبية بشكلها الجزئي داخل هذا الكادر ،ومن الجدير ذكره أن المصور الأمريكي كيفن كارتر أقدم على الانتحار بعد عودته إلى الولايات المتحدة الأمريكية وهذا يؤكد مدى المعاناة الإنسانية والنفسية التي خلفته رؤية ومعايشة ذلك الواقع في حياة الإنسان المصور ،واتخاذه موقفاً إنسانياً وأخلاقياً حفاظاً على أخلاقية المهنية ،مما أدى إلى نشأة صراع نفسي داخلي لديه كان محوره خلق بديل لذلك الواقع وتغيير الحقيقة ،وعملية جلد الذات بتحمل مسؤولية كبيرة على هذا الوضع القائم وأنه كان مجبراً بشكل حتمي على تغيير حياة الملايين مما دفعه لاحقاً إلى الانتحار .



    تفاصيل صغيرة لو نظرت إليها كل على حدة لرأيتها وحدة متكاملة بجزئياتها المستدقة,ولو أمعنت النظر قليلاً لتكاثفت مشكلة صورة هي الحياة...

    طفل في طريقه إلى المدرسة,عطش الصحراء,وفيض المطر؛بقع لونية ترسم الضوء لوحة ليومياتنا الإنسانية وكيف في طريقنا إلى هناك نرى حقيقة الأشياء من حولنا ..وفي داخلنا.

    فلو ق
    106202

    title
    رأت المشهد الملتقط في الصورة " طفولة مهمشة " التي تظهر الان "الطفل السائر"لسمعتها تقول:خطوة نحو عالم أفضل!فالشارع المليء بالنفايات يشكل الخلفية والواقع العام الذي قد يكون مكاناً لا يتخطى العشرة أمتار في زاوية من حي في شارع لمدينة,وقد يكون الحاصل في كوكب الأرض! لأننا لو أمعنا النظر في تركيبة هذا الكادر من حيث الزاوية التصويرية والبنيوية وأسلوب التصوير المتبع من قبل المصور " توثيق الحياة في الشارع " لرأينا سردية روائية تشكيلية في هذا الكادر من حيث الفكرة وتطورها و كيف تبدأ الصورة من جدار وتنتهي إن شئنا بجدار من حائط المدرسة فالمزبلة ثم ظهر الطفل والغفلة كلها تعبر أو تعكس واقعاً معاشاً هو تهميش الإنسان ،إلا أن ذلك مرهون بخطوة قد يخطوها إن هو آفاق من غفلته وانتبه والنظرة في عيني ذلك الطفل والخطوة بين قدميه هي الآتي...التغيير وان ظلّ ضمن الممكن.ولعلنا ببساطة يمكن أن نقول جدار وراء جدار واقع رديئ .. ولكن! فالصورة تأطر بذلك الحاصل في ذلك المكان معممة الراهن والمستقبل في الوقت نفسه,وكذلك مجتزئة ذلك الواقع وتلك الحقيقة من حياة المدينة كلها في لحظة ما.



    106203

    title
    أما الموت فهو جزء من الحياة يربط الأرض بالسماء والأفق مفتوح على احتمالات لا نهائية..من جمود الحجر والعظام إلى انفلات السحاب وهبوب الضوء..تضعنا الصورة " انبعاث آخر " بكافة عناصرها الضوئية ,زاوية تصويرية,بنيوية, جمالية, موضوعية, التوجه الفكري للمصور المتجانس بأسلوبه التصويري " توثيق حياة البادية " أمام واقع الموت وشظف الصحراء مختزنة اللحظة لزمن قادم لان الموت صورة أخرى من صور الحياة ومع هذا الإطار المتدرج صعوداً كأنما العظام تنظر نحو الأعلى, تكون الحقيقة المجسدة هي الانبعاث.خصوصاً مع توحد لوني الضحية والأرض ووجود اللون الداكن حاداً عند أطرافها وانفراجه مع المدى ...ألم نقل أن الصورة هي اختزال واقع وبعث آخر؟



    106204

    title
    أما إذا نظرنا إلى عناصر الصورة " مطر مطر " التي يسعى المصور " الموثق إلى إيصالها :الأشياء,الإنسان , والمطر لرأيناها كأنها تنتظر.أجل الخضار من يشتريها,والسيارات من يركبها,ومستوعبات النفاية من يحسن وضعيتها,والإنسان حلاً لمشكلة الصرف الصحي في مدينته,والمطر ينتظر تربة لينبت فيها عشباً أخضر بعدما خوت المدن اليوم من اللون الأخضر ...حالة ترقب التقطتها عين مصور التي تسعى من خلال هذا الأسلوب " التوثيق " إلى تجسيد وترجمة كافة مركبات الحدث الموثق إلى لغة ضوئية مترابطة المتمثلة بالكادر الملتقط والذي بدوره يعبر عن تماهي الواقع بتفاصيله الظاهرية والمختزلة بأحداثها والحقيقة المتجزئة بباطنيتها من واقع هو في الحقيقة لحظات الشتاء تعزف لحن المطر وتنشدها جوقة القطرات المتساقطة من السماء , قد نرى فيها الشكوى أو الأمل.

    أليست الحقائق ومضات من وعينا للحياة واكتشافنا لها؟والصورة اجتزاء للحظة في سير هذه الحياة,ونحن عندما نرى هذه الصورة إنما نكون نختزنها ضمن واقعنا الخاص الذي بدوره يتماهى مع المصور ويصير وعيه في تلك اللحظة ,فكأننا إنما نجتزئ التفاصيل ؛تفاصيل الآخرين :عيونهم,آلامهم,ضحكاتهم,موتهم,ثورتهم,لتكون هذه التفاصيل بعد ذلك صورة لحياتنا الخاصة جداً بعدما سافرت من عالمها الخاص ولحظويتها إلى وعينا ,فصارت كأنها الفسيفساء أو قل "البازل"؛تتشابك أطرافها العامة,وتختلط ألوانها فنراها لوحة.

    والسؤال ألا يمكننا عندها أن نصنع" البازل" الخاص بنا
    ؟

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أبريل 24, 2018 2:53 am